ابن رشد

75

تهافت التهافت

قلت : أما من وضع أن قبل العالم إمكانا واحدا بالعدد لم يزل فقد يلزمه أن يكون العالم أزليا وأما من وضع أن قبل العالم إمكانات للعالم غير متناهية بالعدد ، كما وضع أبو حامد في الجواب فقد يلزمهم أن يكون قبل هذا العالم عالم ، وقبل العالم الثاني عالم ثالث ، ويمر ذلك إلى غير نهاية كالحال في أشخاص الناس وبخاصة إذا وضع فساد المتقدم شرطا في وجود المتأخر . مثال ذلك : أنه إن كان اللّه سبحانه قادرا على أن يخلق قبل هذا العالم عالما آخر ، وقبل ذلك الآخر آخر ، فقد لزم أن يمر الأمر إلى غير نهاية وإلا لزم أن يوصل إلى عالم ليس يمكن أن يخلق قبله عالم آخر وذلك لا يقول به المتكلمون ولا تعطيه حجتهم التي يحتجون بها على حدوث العالم ، وإذا كان ممكنا أن يكون قبل هذا العالم عالم آخر إلى غير نهاية فإنزاله كذلك قد يظن به أنه ليس محالا لكن إنزاله كذلك إذا فحص عنه يظهر أنه محال ، لأنه يلزم أن تكون طبيعة هذا العالم طبيعة الشخص الواحد الذي في هذا العالم الكائن الفاسد ، فيكون صدوره عن المبدأ الأول بالنحو الذي صدر عنه الشخص ، وذلك بتوسط متحرك أزلي وحركة أزلية ، فيكون هذا العالم جزءا من عالم آخر كالحال في الأشخاص الكائنة الفاسدة في هذا العالم ، فبالاضطرار إما ينتهي الأمر إلى عالم أزلي بالشخص أو يتسلسل ، وإذا وجب قطع التسلسل فقطعها بهذا العالم أولى ؛ أعني بإنزاله واحدا بالعدد أزليا . الدليل الرابع على قدم العالم وهو أنهم قالوا : كل حادث فالمادة التي فيه تسبقه ، إذ لا يستغني الحادث عن مادة فلا تكون المادة حادثة ، وإنما الحادث الصور والأعراض والكيفيات على المواد ، إلى قوله : فلم تكن المادة الأولى حادثة بحال . قلت : حاصل هذا القول أن كل حادث فهو ممكن قبل حدوثه وأن الإمكان يستدعي شيئا يقوم به وهو المحل القابل للشيء الممكن ، وذلك أن الإمكان الذي من قبل القابل ليس ينبغي أن يعتقد فيه أنه الإمكان الذي من قبل الفاعل ، وذلك أن قولنا في زيد أنه يمكن أن يفعل كذا غير قولنا في المفعول أنه يمكن ، ولذلك يشترط في إمكان الفاعل إمكان القابل فإذا كان الفاعل لا يمكن أن يفعل ممتنعا ، وإذا لم يمكن أن يكون الإمكان المتقدم على الحادث في غير موضوع أصلا ولا أمكن أن يكون الفاعل هو الموضوع ، ولا الممكن ، لأن